السيد كمال الحيدري
143
فلسفة صدر المتالهين (قراءة في مرتكزات الحكمة المتعالية)
وعن سبب تسميتها « متعالية » يقول : « فالحكمة المشتملة على الذوق والكشف متعالية بالقياس إلى الأوّل » ؛ أي بالقياس إلى الحكمة المشّائية ، فصارت الحكمة التي أتى بها صدر المتألّهين هي حكمة متعالية أعلى مرتبة من حيث المنهج الذي وإن كان واحداً ، ولكن منبع المعرفة اختلف ، فصارت مدّعياته بذلك أسمى ؛ لإضافة منبع جديد لها وهو القلب الذي له مجال أن يصعد فوق العقل . فالعقل لا يتناقض مع القلب ولا يقع في عرضه ، وإنّما العقل يصل إلى مرتبة معيّنة ولا يستطيع أن يعطي شيئاً بعدها فينتهي دوره ، فمثلًا العقل يثبت وجود اليوم الآخر والحساب والمعاد بالدليل حتّى لو لم تنصّ الشريعة على ذلك ؛ لأنّ العقل يستطيع أن يثبت عالماً ونشأةً أخرى وراء نشأة الدُّنيا ، ولكن العقل عاجز عن معرفة أحكام هذه النشأة كالصراط والميزان وتطاير الصحف والكتب الذي ورد في الآيات الكريمة ، لأنّها أمور جزئيّة . وأمّا العارف فبكشفه يستطيع أن يذهب إلى هذه الموارد التي هي طورٌ وراء طور العقل ، وهذا ما يُعبّر عنه صدر المتألّهين بقوله : « الكِشكَش طورٌ وراء طور العقل » ، ولا يقول بأنّه طورٌ في قبال العقل ، وهذه الكلمات موجودة أيضاً في عبارات الشيخ والمحقّق الطوسي ، بل موجودة في كلمات القيصري شارح الفصوص أيضاً . وبهذا تركت مدرسة صدر المتألّهين بصماتها في الفلسفة الإسلاميّة لأنّها فتحت منابع متعدّدة ، فأعطت من منبع الدّين ومنبع العرفان ومنبع البرهان كمنهج للإثبات ، وبذلك فتحت آفاقاً جديدة للمعرفة باعتبار أنّ كشف العارف لا ينتهي ولا يقف عند حدّ معيّن ، بل يبقى ويستمرّ ، والمعارف التي جاء بها القرآن الكريم والتي وردت في روايات النبيّ صلى الله عليه وآله